محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

334

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً ، وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ ، وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ ، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ . فنفى عن أهل القيامة الكفاية عن النفس ، وقبول الشفاعة ، وأخذ الفدية ، والنصرة ؛ وذلك لأنّ من وقع في بليّة ، واستولى عليه سلطان قاهر ، فغاية بلائه وعجزه أن لا يكفيه أحد بنفسه ، ولا تقبل في حقّه شفاعة ، ولا تؤخذ منه فدية ، ولا ينصره ناصر ؛ والخلاص من البليّة الفادحة إنّما يكون بأحد هذه الأربعة ؛ فإذ لم يكن في ذلك اليوم واحد منها فلا خلاص ، وَلاتَ حِينَ مَناصٍ و لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ . وسرّ آخر : أنّ الخطاب لبني إسرائيل وأنّ اللّه تعالى في آية تذكير النعم عليهم أوّلا خاطبهم بالتكاليف ، وفي آية تذكير النعم عليهم ثانيا خاطبهم بالتخويف من الجزاء . ثمّ التكاليف عليهم في هذه الآيات كانت ثمانية ، أربعة منها تتعلّق بأصل الدين ، اثنان من جنس الأمر ، واثنان من جنس النهي . قال تعالى : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي وقال : وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ ، وقال : وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا ، * وقال : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ والأربعة الثانية منها تتعلّق بشرائع الدين ، قال : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ وقال : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ، فهي صلاة زكاة وصلاة بالجماعة وصبر هو صوم . ثمّ لمّا أعاد تذكير النعم وخوّفهم بيوم القيامة ذكر أحوال القيامة مقدّرة على مخالفاتهم التكاليف الأولى الدينية والأخرى الشرعية ، وتلك الأحوال أربعة كلّها تعني لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ؛ فمن حيث إنّهم ما وفوا بعهد اللّه وهو الإيمان بالمصطفى محمّد - صلوات اللّه عليه وآله - ( 145 آ ) واستيفاء النور المخفي في ولد إسماعيل - عليه السلام - وقالوا : هو لا يجزينا ولا يهدينا ولا نحتاج إليه في ديننا ؛ كانت حالتهم في الآخر وصفة اليوم الآخر في حقّهم أن قال : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً ؛ فمن كانت حالته مع النبيّ والمؤمنين أنّه لا يجزي ولا يهدي ولا يقضي ولا يكفي كانت حالته مع اللّه تعالى في الآخرة أنّه لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا تقضي ولا تكفي ، ومن حيث إنّهم ما آمنوا بما أنزل اللّه من القرآن ولم يعتقدوا كتاب اللّه شفيعا لهم وهاديا وداعيا ومصدّقا لما معهم من الكتاب كانت حالتهم في الآخرة